أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

179

عجائب المقدور في نوائب تيمور

هذين المعبرين في مدى هذا الانضمام بثالث ، فثغر كاليبولي بيد ملاحي المسلمين ، وثغرا استنبول بيد النصارى أعداء الدين ، وهو أعظم الثغرين ، وأجسم المعبرين ، وكانت النصارى ملاحيه ، فصار غالب الناس يقصده وينتحيه ، فاستطارت الفرنج فرحا واستطالت ، وخاضت في دماء المسلمين وحريمهم وأموالهم وجالت ، فإن ابن عثمان كان بالحصار قد انهكها ، وأباد قراها وضواحيها وأهلكها ، وضيق على أهلها في مجاري أرواحهم مسلكها ، فبينما هم وقد بلغ السيل الزبا ، وجاوز الحزام الطبا ، وأنشب كل شر فيهم حده ، وإذا بتيمور جاءهم بالفرج بعد الشدة ، فاندفع عنهم بالضرورة ابن عثمان ، وحصل لهم بذلك الفرج والأمان ، وزاد ذلك بأن احتاج المسلمون إليهم ، وتراموا في طلب الخلاص من العدو عليهم ، فبعد أن زالت عنهم الغصص ، اغتنموا في درك الثارات من المسلمين الفرص ، فجعلوا يوسقون المراكب من الناس والحمول ، ويتوجهون بذلك إلى صوب استنبول ، وان استنبول وراء ذروة جبل ، ومنحرفة خلف قلة من القلل ، وهي من أكبر مدن الدنيا ، حتى قيل إنها قسطنطينية الدنيا الكبرى ، فكانوا إذا عطفوا وراء تلك الذروة بالمراكب ، واستتروا بالهضبة الناتئة عن عين من هو في هذا الجانب ، يصيرون كالأموات النازلين إلى الحفائر ، الملقين في قعر اللحود والمقابر ، لا يدرى إلى أين يتوجهون ، وإلى أي ناد يصيرون ، إلى بر السلامة والاسلام ، أم إلى دار الحرب وأسر الكفرة الطغام ، فيذهب منهم الذاهبون ، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ، فإذا جاءت المراكب وهي فوارغ ، تعلق كل من الخلائق فيها بجهد كامل وجد بالغ ، ولم يدر ماذا يجري عليه ، وإلى ماذا يصير أمره إليه ، وأشبهوا في أبصارهم الكليلة ، وخطوبهم الجليلة ، مالكا الحزين والسمك المذكورين في كتاب كليله ، وحاصل الأمر انه لم يسلم ، من ذلك السواد الأعظم ، في كل غراب أدهم ، إلا مثل الغراب الأعصم ، واستطالت أعداء الدين ، كيف شاءت على المسلمين .